أحمد بن محمد ابن عربشاه
462
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال الذكر : لقد كررت عليك مرارا ، وأسندت إلى سمعك إنشاء وأخبارا ، أن علو همة هذا الملك وفضله الخالي عن شرك وكرم نجاره « 1 » ، وأمن خادمه وجاره وفيض إحسانه ، وبسط كرمه وامتنانه ، وانتشار صيت حشمته ، واشتهار رأفته ورحمته ، لا يقتضى حرمان من قصده وأمّ جنابه واعتمده ، ولجأ إلى جناح عاطفته وتشبث بذيل ملاطفته ، وحاشاه أن يصم مصون همته بابتذال دناءة ، ويشوه جمال وفائه لمن ترفق له بنكتة جفاء تخيب رجاءه ، خصوصا إذا رأى منى خضوع العبودية ، والقيام بمراسيم الخدمات الأدبية ، والمقام بمراكز مرضية ، والوقوف عند كل ما يعجبه ويرضيه ، فإني بحمد الله تعالى أعرف مداخل الأمور ومخارجها ، وعندي الاستعداد الكامل لصعود معارجها ، وأعلم طرق المجاز إلى حقائقها ، وسلوك دروبها وطرائقها ، فالأولى أن نقتصر عن المحاورة ، ونكتفي بهذه المساورة في المشاورة ، ونتوكل على مقلب القلوب ، ونتوجه نحو هذا المطلوب ، بعزم شديد ، وحزم سديد ، فإن تيسر لي ملاقاة حضرته ، والتمثل في مراكز خدمته ، وحصلت لي مشاهدته واتفقت مخاطبته ومعاهدته ، أنشأت خطبة تدفع الخطوب وتجمع القلوب ، وتؤلف بين المحب والمحبوب ، وأرجو أن تكون نافعة ، لمصالح الدين والدنيا جامعة ، فإن كلامي في مقامي ، كما قيل في المثل : فأوجز لكنّه لا يخلّ * وأطنب لكنّه لا يملّ وآخر الأمر سلمت غرغرة زمام انقيادها إليه ، وعولت في عمل المصالح عليه ، ثم قالت له : عش واسلم ، وتيقن واعلم إنك إذا قصدت خدمة الملوك ، وأردت في طريق مصاحبتهم السلوك ، فإنك محتاج في ذلك المنهاج إلى نور وسراج ، يهديك إلى صفات جميلة وتلبس بخصائل نبيلة ، تتحلى بجمالها وتتعلى بكمالها ، وتتجلى في شمائل جلالها .
--> ( 1 ) أخلاقه .